المقالات

الثقافة العربية الإسلامية ولماذا تخلفت عن ركب الحضارة الأوروبية؟

د. محمود محمد علي

تخلف الثقافة العربية الإسلامية عن ركب الحضارة الأوروبية
عكف قادة الرأى وزعماء الإصلاح ورواد التنوير فى مصر والشام والعراق واليمن، منذ قرنين من الزمان على دراسة علة تخلف الثقافة العربية الإسلامية عن ركب الحضارة الأوروبية، واجتمعت تصوراتهم المتباينة على أن العزلة الحضارية، وإهمال العلوم الحديثة، والاستغراق فى تقديس الموروث، وغلق باب الاجتهاد، وغيبة الحس النقدي، بالإضافة إلى انعدام الرؤية السياسية وغيبة الوعى وقادة الفكر؛ هى الأسباب الحقيقية التى أدت إلى كل مظاهر الانحطاط الأخلاقى والسياسى والاجتماعى والاقتصادى والثقافى، فضلًا عن جمود الفكر الدينى وانصراف الخطاب الأدبى إلى المحاكاة والتقليد والشروح والحواشى التى لم تنتج جديدا ولم تأت بإبداع حديث إلا فى النذر القليل ( وذلك كما يقول الدكتور عصمت نصار في مقاله عن التجديد الديني” ومعوقات الطرح).
الأمر الذى دفعهم لطرح قضية التجديد على مائدة البحث والتناظر والتساوي، وذلك عن طريق إثارة العديد من الأسئلة فى حلقاتهم العلمية ومجالسهم الثقافية، ثم صالوناتهم الأدبية حول مفهوم التجديد وقضاياه ومشكلاته ومعوقاته وآليات تفعيل إثماره وسبل التطبيق فى المجتمع؛ فأدركوا استحالة النهوض بالأمة إلا بطرح قضية التجديد على نحو فلسفى ينطلق من الرؤية العامة الشاملة لتحليل الواقع، ثم الانتقال إلى الجزئيات بنظرة استقرائية عملية لمعالجة المعوقات وانتخاب الحلول. وقد عُرف هذا النهج بالتحدى والاستجابة، أى تحدى المستنيرين لمعوقات التغيير بعد استيعاب كامل لمشكلات الواقع وسبل التغلب عليها، ثم العمل على وضع خطة للإصلاح والتوجيه وصياغتها فى خطاب يستوعبه الجمهور أو الرأى العام التابع، ويؤمن به ثم يعمد إلى تفعيله من جهة، ويتجنب فى الوقت نفسه الصدام مع السلطات القائمة إذا ما عجز عن استمالتها إلى خطابه من جهة أخرى ( وذلك كما يقول الدكتور عصمت نصار في مقاله السالف الذكر).
ويعنى ذلك أن قضية التجديد لم تطرح على نحو جزئى، بل طُرحت فى نسق فلسفى يجعل منها حجر الزاوية أو الإطار الجامع بينها وقضايا التراث والوعى والحرية والإصلاح. والذى نعنيه من ذلك السرد التاريخى هو التأكيد على أن الأصوات المنادية بتجديد الخطاب الدينى وإعادة فتح باب الاجتهاد لمحاربة التعصب والعنف والإرهاب لم تفطن إلى: أن طرح قضية التجديد على أنها مشكلة جزئية بمعزل عن بنيتها النسقية لا يعدو أن يكون طرحًا هشًا لا طائل منه؛ فتجديد الخطاب الدينى لا يمكن حصر آلياته فى تقويم المناهج الأزهرية أو محاربة الفرق الضالة ومكافحة التطرف ومعاقبة الإرهابيين أو القضاء على الفتنة الطائفية، بل يجب قبل ذلك كله إعادة بناء الطبقة الوسطى وهى المنوطة دون غيرها – كما ذكرنا – بتثقيف الرأى العام، وتحديد الثوابت والمتغيرات فى شتى الدروب المتصلة اتصالًا مباشرًا بالمجتمع؛ ويعنى ذلك أننا أمام معوقين، أولهما: غيبة قادة الرأى وأمراء المنابر الذين لديهم القدرة على التأثير فى الرأى العام، وثانيهما: تفكك الجمهور وانقسامه إلى جماعات وأحزاب وفرق هشّة لا يجمع بينها إلا التمرد وانعدام الثقة فى الآخر وضعف الانتماء والولاء وتفشى بينهم روح اليأس والقلق والارتياب فى كل ما يحيط بهم أخرى ( وذلك كما يقول الدكتور عصمت نصار في مقاله السالف الذكر).
وعليه لا سبيل أمامنا لاستحالة خطاب التجديد إلى مشروع إصلاحى إلا بإعادة بناء منظومة القيم الأخلاقية للمجتمع؛ فقد تبين لنا أن قاعدتى التحدى والاستجابة لا يمكن الحديث عنهما وسط ذلك الانحطاط الخلقى السائد فى المجتمع العربى الإسلامي، فما جدوى الحديث عن الأصول الشرعية والقيم الحضارية التى يؤكدها المنقول والمعقول معًا، وما الفائدة من لغة الوعظ ـ وإن جاءت على ألسنة السلطة الحاكمة ـ فى مجتمع لم يدرك من صور التدين سوى العنف ولم يعِ من الأخلاق إلا التبجح والسفالة ومن المعارف والأخبار إلا الشك والارتياب أخرى ( وذلك كما يقول الدكتور عصمت نصار في مقاله السالف الذكر).
وقد بينت فى غير موضع من كتاباتى، أن قضية التجديد ومراميها الإصلاحية لا يمكن طرحها والتغلب على معوقاتها وإيجاد السبل والآليات لجنى ثمارها بمنأى عن وعى الأنا، فالعلاج يجب أن يبدأ من الذات والقناعات الشخصية التى تسعى إلى إحياء الأمل فى العقول والصدور من جديد أخرى ( وذلك كما يقول الدكتور عصمت نصار في مقاله السالف الذكر).

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق