المقالات

حروب الجيل الثالث وبداية ازداد تعداد الجيوش من الطيران والمدرعات

د. محمود محمد علي

– الجيل الثالث : وهي المرحلة التي سادت مع بداية القرن العشرين وإبان الحرب العالمية الأولى والثانية ، وبعدها ازداد تعداد الجيوش ازدياداً كبيراً جداً وصار بالإمكان تزويدها بكميات هائلة من الأسلحة النارية، والمدفعية السريعة الرمي، وأجهزة الاتصال والقيادة، وصار الطيران، والمدرعات من وسائل القتال الأساسية، وتطورت طرق المواصلات، وازدادت قدرة القوات على المناورة والتنقل، فاتسعت مناطق الأعمال القتالية، وزادت أبعادها، وتوثقت الروابط بين المعارك وتتابعها، مما أدى إلى بدء ظهور نوع جديد من النشاط القتالي هو «العملية» التي تتألف من سلسلة معارك ومواقع متصلة ومتزامنة أو متتابعة ينفذها جيش واحد أو عدة جيوش وفق فكرة واحدة وقيادة واحدة .
وتطلبت حروب الجيل الثالث الاستخدام الأفضل لكل مصادر الدولة المادية والبشرية واحتياطاتها الاستراتيجية، وبرزت ضرورة عناية القيادة السياسية والاستراتيجية بتنظيم قيادات القوات المسلحة على مختلف الاتجاهات ومسارح العمليات والتنسيق بينها. وكان من أهم منجزات المنظرين العسكريين وضع نظريات جديدة عن الحرب وأساليب خوضها فطرح المنظّرون السوفييت نظرية العملية الهجومية العميقة، والتخطيط لإبطال كامل عمق العدو بنيران المدفعية وضربات الطيران البعيد المدى وإحداث صدع في الدفاع تندفع من خلاله القوات السريعة الحركة لتطوير الهجوم في العمق العملياتي كله.
وتتألف العملية من عدة مراحل تبدأ بخرق الدفاع التكتيكي وتطويره في العمق العملياتي بقوات مدرعة وميكانيكية كبيرة وإنزالات جوية. وأخذت النظريات بالتحسينات التي طرأت على الأسلحة والعتاد ووسائل الاتصال والنقل، وتنامي إمكانات الدعم الناري وسرعة الحركة، وأوصت بأفضلية خرق الدفاع في آن واحد أو بالتتابع على أكثر من اتجاه، أما القوة الأساسية التي تتولى تنفيذ العملية فهي الجبهة، وقوامها جيشان أو ثلاثة جيوش على الاتجاه الرئيسي وجيش أو جيشان على الاتجاهات المساعدة. كذلك راعت النظرية، في ضوء أعمال القتال التي جرت في بداية الحرب العالمية الثانية، خوض الدفاع الاستراتيجي وتنسيق الدفاع على عمق كبير وجبهة عريضة والمناورة بالقوى والوسائط على الاتجاهات المهددة، وإنهاك العدو بالمقاومة العنيدة على خطوط مهيأة سلفاً، وتسديد الضربات والهجمات المعاكسة لتهيئة الشروط المناسبة للانتقال إلى الهجوم.
وفي الوقت نفسه تبنت القيادة الإستراتيجية الألمانية فكرة الحرب الصاعقة والحسم، واستخدام المدرعات، والقوات الميكانيكية، والطيران بكثافة على الاتجاهات المختارة للهجوم. في حين تبنى الحلفاء الغربيون، ولاسيما القيادة الاستراتيجية الأمريكية، فكرة التفوق الكاسح على قوات العدو وإنهاكه بضربات الطيران الكثيفة، وخاصة الطيران البعيد المدى، وبنيران المدفعية، وتنفيذ العمليات على المسارح البرية ، بجيوش ميدان أو مجموعات جيوش، يساعدها في تحقيق أغراضها عتاد قتالى حديث زاد في قوتها الضاربة وسرعة تحرك قواتها.
وفي نهاية الحرب العالمية الثانية استخدم السلاح الذري والطيران النفاث والصواريخ الموجهة، وأدخلت تحسينات كبيرة جداً على أنواع العتاد ووسائل الاستطلاع والتنصت والاتصال. وتسبب تطور الاقتصاد والعلم والتقانة في النصف الثاني من القرن العشرين في حدوث تبدلات عميقة ومهمة في وسائل الصراع وقيادة القوات، وأدخلت الوسائل الصاروخية والإلكترونية وغيرها في جميع أنواع القوات المسلحة وصنوفها فتبدل تنظيمها وأساليب استخدامها وزادت قدراتها القتالية، و تنامى دور الاستراتيجية إلى درجة كبيرة جداً فشمل جميع مجالات الحرب، إذ أتاح وجود القوات النووية الاستراتيجية إمكانات التأثير في مجرى الحرب كلها وتحقيق نتائج حاسمة فيها، الأمر الذي تطلب إعادة النظر في طبيعة الحرب من الأساس وفي وسائل خوضها وأساليبها

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق