المقالات

كيف نتعافي من التطرف ؟

د. محمود محمد علي

ما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن التطرف هو جموح أو جنوح أو إفراط أو تفريط أو تنطع، فلا يتوافر تعريف دقيق للتطرف إلا بعواقبه أو ما يحمله من رأي، والتطرف له جانبان، إيجابي كالاجتهاد والنقد والإبداع، وسلبي كالخروج عن الملة والإلحاد والغلو في الدين.
أما العلة الحقيقية لظهور التطرف، فتكمن (كما يقول الدكتور عصمت نصار في كتاباته) في عدم رضا العقل الجمعي عن الوضع السائد، لذلك فمن يقوم بالتطرف يكون صاحب رؤية سواء كانت إيجابية أو سلبية، فغياب العدالة أو وجود خلل بها يدفع الناس قصراً إلى التطرف، والبذخ والانحطاط الأخلاقي يدفعان إلى التطرف انتصاراً للدين، كذا التنطع في الدين وتكبيل الحريات باسم الدين يدفعان إلى التطرف الإيجابي للدفاع عن أصل من أصول الشرع وهي الحرية، والتقليد الأعمى ومسايرة السلف لدرجة أن الدين يصبح غلاً للعقول، يأتي النقد المبدع ويأتي الاجتهاد المجدد ليوقظ الأمة من جمودها.
إذن التطرف علته الخروج عن الثابت، فإذا ما آمن الجميع وساد الثابت واستجاب الرأي العام التابع للأصول الواقعة بالفعل لاختفى التطرف، والأمة الخالية من التطرف الإيجابي جامدة. والأمة التي تسير دوماً إلى التطرف السلبي، أي إلى الجموح والخلاعة وغير ذلك من المروق على الدين، هي أمة فاشلة.
أما عن أثر الفكر الأصولي في فكر التطرف، فيقول الدكتور عصمت نصار: بأن الأصول الشرعية تراعي الزمان والمكان، وتأخذ بمنطق الوسطية، فالإسلام بطبيعته يأخذ بوسائط الأمور، والأصول الشرعية تراعي الإنسان ومتطلباته الجسدية والروحية، ومن ثم لا يمكننا وصف الأصول الإسلامية بأنها متطرفة أو جامحة أو جامدة، بل الخروج عن هذه الأصول التي تمثل الفضيلة العقلية والشرعية يوجد التطرف وليس العكس.
بيد أن يعض الجماعات التي اعتمدت العنف كمنهج للإصلاح ارتكنت على فكر أصولي، وهذا في الحقيقة يمثل فهم خاطئ للأصولية، فالتمسك بها دون فهم يصبح تطرفاً، فالحكم على من يخالف سنة رسول الله (ص) بأنه كافر يعد تطرفاً، لأن هناك سنناً للتعبد، وهناك سنن عادات، والأخيرة ليست ملزمة، أما سنن العبادات فملزمة. فعندما أكل الإنسان بالملعقة أو حلق لحيته اتهم أنه مارق، لأنه خالف نبيه، وهي أمور من العادات، لذا نجد معظم الأصوليين يتمسك بالعادات ويهمل أصول العبادات، ومن هنا ينشأ التطرف ( وذلك كما يقول الدكتور عصمت نصار في كتاباته).
علاوة علي أن التيارات الإسلامية التي اعتمدت العنف للإصلاح على مدار التاريخ الإسلامي قد استندت إما علي خلافات دينية أو خلافات سياسية، فمثلاً الفتنة الكبرى كانت للخلاف حول الإمامة، والإمامة ليست من الدين، والخلافة في عهد الأمويين والعباسيين أصبحت مملكة، وللأمويين خصوم وللعباسيين خصوم، ومن حق من يخاصم أن يجيش الجيوش ليدفع الباطل بما يعتقد أنه عدالة ويمنع ما يظن أنه ظلم ( وذلك كما يقول الدكتور عصمت نصار في كتاباته).
والسؤال الآن: هل يوجد تطرف في الحكم؟ والإجابة طبعا، معظم التاريخ الإسلامي باستثناء الخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز، كان الهوى هو الذي يسيِّر الأمور في الدولة الإسلامية بداية من الحكم الأموي ونهاية بالدولة العثمانية، لأن الشرع لم يتعرض للأمور الدنيوية بوقائعها، ولكن وضع قواعد ومبادئ عامة يمكن تأويلها ويمكن الأخذ منها أو الابتعاد عنها ( وذلك كما يقول الدكتور عصمت نصار في كتاباته).
وأما عن تطرف الجماعات الإسلامية المعاصرة، فمن الملاحظ أن اصطلاح {جماعات إسلامية}في حد ذاته تطرف، فالإسلام لا يعرف جماعات أو تيارات، فالإسلام أمة واحدة، وحديث رسول الله (ص) تتفرق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة لا يدل على الجموح والتطرف، فمن يرفع لواء الجماعة، الإخوان، السلفية، الجهادية كل أولئك ينضوون تحت راية التطرف ( وذلك كما يقول الدكتور عصمت نصار في كتاباته).
وهنا نتساءل سؤال آخر: ماذا عن المفكرين الذين أباحوا استخدام العنف كوسيلة للإصلاح؟والإجابة هو أن هناك تياران في الاتجاه التجديدي الإسلامي، الأول يرى الإصلاح عن طريق الدعوة وشعاره (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) أي تربية الرأي العام وتوعيته، وهذا الفصيل هو الأعم والأغلب والأقرب لسنة النبي (ص)، بدأ هذا الاتجاه في الفكر الحديث منذ الشيخ حسن العطار ورفاعة الطهطاوي، ثم محمد عبده، ثم الشيخ مصطفى عبد الرازق، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، أما التيار الآخر، فيمثله الاتجاه الذي يرى التغيير عن طريق الإطاحة بالسلطة الموجودة والجهاد لمحو بلاد الكفر، وهذا الاتجاه غريب عن الإسلام، إنّه يتعارض مع حرية العقيدة التي كفلها الإسلام، وقد دعا إلى هذا الرأي الشيخ جمال الدين الأفغاني، ثم أبو الأعلى المودودي، ثم سيد قطب، ثم الجماعات الجهادية مثل القاعدة وحماس وبعض فصائل القسّام، وكل هذه الجماعات تدين بالولاء لفكر جمال الدين الأفغاني الذي يريد الإطاحة بكل النظم باعتبارها ديار كفر، وطور في هذا المعنى المودودي وسيد قطب اعتماداً على مصدرين، الأول الدعوة الوهابية لمحمد بن عبد الوهاب، ولاسيما جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي كانت تطلب التهذيب وتربية المواطن عن طريق العقاب والشدة، والمصدر الثاني، هو بعض فتاوى ابن تيمية التي كانت ترى مواجهة انحرافات ومروق الأشخاص في البلاد الإسلامية بالشدة لإصلاحهم، ولكن كانت فتاوى ابن تيمية لها ظروف خاصة، غير أن المقتبس لم يراع مقصد ابن تيمية أو الظروف التي أدت للقول بمثل هذه الفتاوى المتشددة، في حين أن هناك آراء لابن تيمية أكثر تسامحاً في الدعوة ( وذلك كما يقول الدكتور عصمت نصار في كتاباته).
وأما عن دور المفكرين المعتدلين للرد على هذه الآراء المتشددة وهل أنت مع محو هذه الآراء حتى لا يتأثر بها أحد؟ فيقول د. عصمت نصار أنه دائماً الآراء التي تحاول إعادة بناء الفكر الإسلامي على قاعدته الأساسية وهي الوسطية ليس لها ثقل، لوجود من يساند المروجين للأفكار المتطرفة لخدمة أغراضهم، فلو تتبعنا معظم الحركات التي ظهرت في ثوب التطرف على مر التاريخ، سنجد لها دعماً

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق